أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
393
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
قوله : فَأَفُوزَ الجمهور على نصبه في جواب التمني والكوفيون يزعمون نصبه بالخلاف والجزمي يزعم نصبه بنفس الفاء والصحيح الأول لأن الفاء تعطف هذا المصدر المؤول من « أن » والفعل على مصدر متوهم لأن التقدير : يا ليت لي كونا معهم - أو مصاحبتهم - ففوزا ولهذه المذاهب - تصحيحا وإبطالا - موضوع غير هذا قد نبهت عليه غير مرة وقرأ الحسن « فأفوز » رفعا على أحد وجهين : أما الاستئناف أي : فأنا أفوز أو عطفا على « كُنْتُ » فيكون داخلا في حيز التمني أيضا فيكون الكون معهم والفوز العظيم متمنين جميعا . [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 74 إلى 76 ] فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ( 74 ) وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً ( 75 ) الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً ( 76 ) قوله تعالى : الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ : فاعل بقوله : « فَلْيُقاتِلْ » و « يَشْرُونَ » يحتمل وجهين : أحدهما : أن يكون بمعنى يشترون فإن قيل : قد قررت أن الباء إنما تدخل على المتروك والظاهر هذا أنها دخلت على المأخوذ فالجواب : أن المراد بالذين يشترون المنافقون المبطئون عن الجهاد أمروا بأن يغيروا ما بهم من النفاق ويخلصوا الإيمان باللّه ورسوله ويجاهدوا في سبيل اللّه فلم تدخل إلا على المتروك لأن المنافقين تاركون للآخرة آخذون للدنيا . والثاني : أن « يَشْرُونَ » بمعنى يبيعون ويكون المراد بالذين يشرون : المؤمنون المتخلفون عن الجهاد المؤثرون الآجلة على العاجلة وظهر هذه الآية في كون « شرى » تحتمل الاشتراء والبيع باعتبارين قوله تعالى : وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ « 1 » وسيأتي وقد تقدم لك شيء من هذا في أول البقرة « 2 » . والجمهور على سكون لام ( فليقاتل ) لأنها وقعت بعد الفاء فأشبهت اللفظة كتفا وقرىء « 3 » بكسرها وهو الأصل . والجمهور على بناء « فَيُقْتَلْ » للمفعول ومحارب بن دثار ببنائه للفاعل والأول أظهر لقوله : « أَوْ يَغْلِبْ » و « يقتل » و « يَغْلِبْ » عطف على الشرط والفاء في « فَسَوْفَ » جوابه لا يجوز حذفها والمشهور إظهار هذه الباء عند الفاء وأدغمها أبو عمرو والكسائي وهشام وخلاد بخلاف عنه والجمهور على « نُؤْتِيهِ » بنون العظمة وطلحة بن مصرف والأعمش بهاء الغيبة وهما ظاهرتان . وقدم قوله : « فَيُقْتَلْ » لأنها درجة شهادة وهي أعظم من غيرها وثنى بالغلبة وهي تشمل نوعين : قتل أعداء اللّه والظفر بالغنيمة والأولى أعظم من الثانية .
--> ( 1 ) سورة يوسف ، الآية ( 20 ) . ( 2 ) الآية ( 16 ) . ( 3 ) انظر البحر ( 3 / 295 ) .